جمال الدين بن نباتة المصري

88

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

نعم القتيل إذا الرّياح تناوحت * خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور « 1 » ثم أومأ إلى أبى بكر رضى اللّه عنه فقال : أدعوته باللّه ثم غدرته « 2 » * لو هو دعاك بذمّة لم يغدر فقال أبو بكر : واللّه ما دعوته ولا غدرته . فأنشد بقية أبياته المشهورة « 3 » ، وانحطّ على قوسه - وكان أعور - فما زال يبكى حتى دمعت عينه العوراء ؛ فقام إليه عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فقال : وددت لو رثيت أخي زيدا ! فأجابه بما تقدّم ، ثم رثى زيدا فلم يجد ، فسئل عن ذلك فقال : واللّه إنه ليحرّكنى لأخي ما لا يحرّكنى لزيد . وسأله عمر رضى اللّه عنه عن حزنه ، فقال : واللّه إني لا أنام اللّيل ، وما رأيت نارا رفعت بليل إلّا ظننت أن نفسي ستخرج ، أذكر بها نار أخي ، إنه كان يأمر النار فتوقد حتى يصبح مخافة أن يبيت ضيفه قريبا منه ، فمتى رأى النار يأتي إلى الرحل ؛ وهو بالضيف يأتّى متهجّرا أسرّ من القوم يقدم عليهم القادم من السفر البعيد . فقال عمر رضى اللّه عنه : أكرم به ! وقال له عمر يوما : حدّثنا عن أخيك ، فقال : أسرت مرّة في حىّ عظيم من أحياء العرب ، فأقبل أخي ؛ فما هو إلّا أن طلع على الحاضر ؛ فما كان أحد قاعدا إلا قام ، ولا بقيت امرأة حتّى تطلّعت من خلال البيوت ، فما نزل عن جمله حتى تلقّوه بي في رمّتى فحلّنى . فقال عمر : إن هذا لهو الشرف ! ثم قال له يوما : يا متمّم ، إنك لجزل ، فكيف كان منك أخوك ؟ فقال : كان واللّه أخي

--> ( 1 ) الأغانى 15 : 306 ، وفيه : « تناوحت تحت الإزار » ، الكامل 4 : 78 . ( 2 ) الأغانى : « ثم قتلته » . ( 3 ) د : « بقية قصيدته » وفي الأغانى : « فقال : لا يضمر الفحشاء تحت ردائه * حلو شمائله عفيف المئزر ولنعم حشو الدّرع أنت وحاسر * ولنعم مأوى الطارق المتنوّر